"مذبحة جماعية صامتة" بهذا التعبير يصف مبعوث الأمم المتحدة المكلف بشؤون الغذاء جان زيجلر
ما يجري في العالم الآن بسبب شح الموارد في العديد من مناطق الكوكب الأزرق وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية. لم تعد الأمور تحت السيطرة منذ مدة. وأصبحت "ثورة الجياع العالمية" تبدو قريبة لبعض "المتشائمين" ومنهم زيجلر الذي يؤكد أن ذلك يمكن أن يحدث "كما حدثت الثورة الفرنسية"!وبالفعل، فقد شهدت السنوات الأخيرة، والشهور الأخيرة بوتيرة أكثر حدة، أحداثا وصدامات في هذا البلد أو ذاك، كان الجوع والحاجة إلى الخبز هما سيدا الموقف فيها. وبنسب متفاوتة،
بدأت "حالة الطواريء بسبب انعدام الأمن الغذائي، التي أجَّجتها انتهاكات حقوق الإنسان،
ومنها انتهاك الحق في الحصول على غذاء كاف"- كما ترى منظمة العفو الدولية- تفرض نفسها على الشارع...هذه الفسحة تحاول أن تفتح نافذة على أزمة الغذاء التي أضحت اليوم الشغل الشاغل للشعوب والدول، لكن إرهاصاتها ومسبباتها ليست مع ذلك وليدة اللحظة، بل ساهمت وتساهم فيها عوامل لم تكن دوما حتمية، ومازال "قطيع متعاملي البورصات والمضاربين ومجرمي المال الذين أنشأوا عالما من اللامساواة والفظاعة"، مازالوا يواصلون حربهم المنفلتة على خبز الفقراء. 2/2
ومع إطلالة عام 2000 جددت المجموعة الأوروبية حظر استخدام المادة، وبالتالي حظر استيراد المواد الغذائية المعدلة جينياً، والحليب ومشتقاته المعالج هرمونياً واللحوم المعالجة بالحامض الكربوني Dioxin-Tainted•• ومن أجل ذلك فإن 4 في المئة فقط من الأميركيين قالوا في استفتاء أجرته إحدى المؤسسات المعتمدة إنهم يفضلون المواد الغذائية المعدلة وراثياً، فيما قال 57 في المئة منهم إنهم يمتنعون كلياً عن استهلاك هذه المواد.
أما في ألمانيا وفرنسا فإن أربعة أخماس الألمان والفرنسيين يرفضون استخدام هذا النوع من المواد الغذائية. ومع ذلك فإن لهذه المواد الغذائية المعدلة جينياً حسنات لابد من الإشارة إليها، فمن المعروف أن الزراعة تبدأ بالبذرة التي تنثر في الأرض ثم ترعاها أشعة الشمس والماء. والتعديل الوراثي يبدأ بهذه البذرة المؤلفة من خلايا. وتمكّن تقنية التعديل النبات بحيث يكون مقاوماً للحشرات من دون استخدام المبيدات. وأن يكون متضمناً قدراً أعلى من الفيتامينات، مثل فيتامين "ألف" في الأرز. كذلك فإن هذه التقنية تساعد على تسريع النمو. وعلى تضخيم حجم الثمار وزيادة عددها من دون استخدام الأسمدة. وهنا لابد من طرح السؤال الذي يقض المضاجع: إذا كانت الولايات المتحدة -وربما غيرها من الدول- تنتج كميات كبيرة من الحبوب واللحوم والحليب ومشتقاته المعدلة وراثياً (جينياً) بطريقة أو بأخرى، وإذا كانت هذه الكميات من المواد الغذائية غير مرحب بها في الولايات المتحدة نفسها، ومرفوضة في كندا وأوروبا، وكذلك في الصين والهند، فكيف، وأين سيتم تصريفها؟
يبدو أن المواد الغذائية من الحبوب والحليب ومشتقاته المعدلة جينياً والتي أقبل المزارعون الأميركيون على إنتاجها بكميات كبيرة تحوّلت إلى مواد كاسدة غير قابلة للتصريف التجاري. ومن هنا الشكوك حول احتمال افتعال أزمة غذاء تمهّد لتصريف هذا الإنتاج. ذلك أن فقراء العالم الذين يعيشون على دخل دولارين في اليوم، إذا وجدوا أنفسهم مخيّرين بين الجوع وتناول المواد الغذائية المعدلة جينياً، فلاشك في أنهم سيقدمون بنهم على هذه المواد. ولكن تصريف هذه المواد في أسواق الدول الفقيرة لا يعوض على كبار المزارعين والاحتكاريين. فالمهم تصريفها في الدول القادرة على تسديد ثمنها، خاصة في آسيا حيث يشكل الأرز مادة أساسية للتغذية وفي أوروبا حيث القمح والذرة والصويا هي المواد الأساس. أما الدول العربية فإنها تعتمد من أجل تأمين معظم حاجاتها من المواد الغذائية وخاصة من الحبوب على الأسواق الدولية. فمن يراقب الاستيراد لضمان صحة العائلة وسلامتها؟ وكيف يمكن أن تتصرف دولة عربية كبرى مثل مصر التي تواجه أزمة رغيف؟ فهل يجوز أن يتحول فقراء العالم وحتى أغنياؤه إلى فئران لإجراء التجارب؟ وأي نوع من البشر ستعرف البشرية في الأجيال القادمة؟ ألم يتعلم محتكرو إنتاج وتجارة المواد الغذائية من تجربة مرض جنون البقر؟








